Skip to main content

العفريتة


 العفريتة


ترتجف حصوات الطريق بتقدمه. هدير انفاسه يسبق سامعيه اميالا. بين نظرائه شامخ الكيان, عون للمحتاج على حاجته. يملك سعلة تملأ الفضاء هيبة, و ذيل هرم لا يملك الا جر المصائر و الخيبات.

تماهي (عم جمعة) الخمسيني مع قاطرته كتلاقي الارواح. فالقاطرة هي (عم جمعة) الجامد كما (عم جمعة) قاطرة الحي. تتجلى نفسيهما في الحَضَرات معينة, و على رؤوس الآبار هي "العفريتة", تؤرّق النائم و تنبه الهائم.

تضيق حياة (عم جمعة) في خلوته على القضبان. فعلى تابلوه غرفة قيادة قطار القاهرة – أسوان, ثبّت (عم جمعة) جهازه اللوحي المهدى له من ابنته (منال), المتزوجة حديثًا. تحظى (منال) بمكانة كبيرة في قلبه كونها "البكرية" على رغم توارثات "خلفة الولاد". يملأ جنبات المكان صوت رخيم, مسيطر, مستمر لموتور الجرار مُطعّم بايقاع متقطع لشخير (اسماعين), مساعده, و احد اقدم العاملين بهيئة السكة الحديد. يُعرف (اسماعين) في محيط العمل بميترونوم الخط, اذا غط في نومه و بدأت سيرورة شخيره بجانبك, يمكنك حينها ضبط ايقاع حياتك كاملا على منوالها.

لم يحظً (عم جمعة) بليلة هانئة. فمنذ أيام تجددت آلأم الناسور لديه سالبة كل معنى للراحة. كلما التأم الجرح يعاود التجدد مرة اخرى و كأن معاناته عنصر وجوده الثابت. بدأ الصداع يزحف لرأسه, و اخذا جفنيه في الذبول. خرجت منه تثاؤبة مشوبة بتمتمات مبهمة بانت صبغتها الدينية بعد انتهائها.

"اسطى اسماعين,
اسطى اسماعين صحّي النوم مش كفاية كدة و لا ايه؟". ثم تبعها بلكزات متتالية لجسد (اسماعين). 
تمتأ (اسماعين) و شد رجليه قدر استطاعته متقلبا في مقعده بجوار (عم جمعة).

"قوم يالا اعملنا كوبايتين شاي من ايدك يعدلولنا دماغنا".

"وصلنا فين كدة؟", اردف (اسماعين) و هو يتثاءب.

"لسة, لسة, قوم بس الحقني بالشاي عشان اعرف اكمل".

متثاقلا و عابثا بشعره, نهض (اسماعين) و خرج من قاطرة القيادة و ما زال يعبث بمناطق مختلفة في جسده.

يُمنّي (عم جمعة) نفسه بالوصول لأسيوط حيث تبديل طواقم القطارات, حالمًا بالاستراحة و ملاقاة مراقب منطقة اسيوط الذي نمت بينهما علاقة طيبة منذ زمن و يعمل (عم جمعة) على توطيدها من خلال تزويج ابنه الاوسط (احمد) من احد كريمات هذا الرجل الذي يملك "طين" و بناية بمحل اقامته.

تتجاوز نبضات صداع (عم جمعة) تبعات الامس. فمنذ تركه العدوة بحثا عن رزق أوفر يضمن له الكفاف و يعوضه عن نشأته القحة و نمطها الزاهد, طاف مثقلا بحمل اسرته حديثة التكوين حينها عدة مدن الى ان استقر برشيد. توفى اباه (الشيخ جاب الله عبدالحق العدوي) و لم يترك له سوى امه و شقيقاته الاربع و دكان ذو بضاعة هشة من منتجات الخوص كالسلال و الحصائر و ما شابه من عراقة تجاوزها الزمن. فمنذ مرض (الشيخ جاب الله) و وفاته لم يدخل نور الشمس الدكان قط. كان هذا الدكان جذر مخوّخ لجذع (عم جمعة) القائم, متعدد الافرع مقصوص الاوراق. دائما ما تُصور له "العفريتة" خروجه من القرية بحُنَين, فلا هو طال بلح الشام و لا عنب اليمن.

 كانت اخر زيارة له للعدوة منذ سنوات ثلاث لتلقي العزاء في امه. ذهب وحيدا, لم يصطحب ابنيه اللذين لم يريا جدتهما حقيقة و اسقاطا. فهو لم يتلو اي شئ عن ماضيه لأولاده, حاثا اياهم دائما للتطلع و الاقدام. في تلك الزيارة التقى بصاحبيه (حسين) و (خميس), جيران الصبا. سهرا معا الليلة الاحادية التي قضاها (عم جمعة) هناك مسترجعين ايام القرية و استنزاف سماسرة الانفار ليفاعتهم, خاصة (عم جمعة) الذي كانو يتقاتلون في الحصول عليه لشدة تحمله و صلابته و هدوء سريرته و الاهم, تطلعاته. فلم يكن خفيا على الجميع سخطه من بيئة العدوة و عاداتها. فما لبث ان تزوج "غريبة" من قرية اخرى كان قد خرج اليها في وردية و هو ابن الثانية و الثلاثين, محطما جميع اعراف الزواج حينها. و كيف كانت نظرة الاهالي له و حديثهم عنه بانه "غيّر جلده" عندما هجر القرية و ترك دكان (الشيخ جاب الله) الذي لا يخلو بيت من بيوت اهلها الا و اثره مطبوع فيها. فهو عارف القرية و بركتها, يجمعهم على حلقات الذكر, و يلجؤون اليه للمسألة و الشفاعة. كان يدّخر (الشيخ) زاده بقلوبهم كما يدخرون زادهم في سلاله. فعز عليهم اهمال تجارة (الشيخ).

في تلك الليلة فاتحه (خميس) في موضوع اعادة تشغيل الدكان, و انه مستعد لشرائه و تدويره كمركز للاسلكيات و الاتصالات. فالدنيا لم تعد كما هي منذ هجر الدكان. رفض (عم جمعة) بشكل قاطع ذلك الاقتراح و لكن (خميس) ما انفك يعاود محاولاته للاستئثار بالدكان.

باغت (اسماعين) انشغال ذهن (عم جمعة) محررا حلقه من بعض ما يشوبه.
"احلى كباية شاي لأحلى اسطى على خط الصعيد تِمَنّ", ثم تابع "معلقتين شاي و اربعة سكر زي ما الدماغ طالبة".

"من ايد ما نعدمها يا عم اسماعين".
"بالهنا و الشفا"
لم تهنأ رشفته الاولى بالهاب لسانه حتى اردف
"بالحق يا عم اسماعين, في اشارة جت عايزك تسجلها في الدفتر معلش, مرضيتش اقلق منامك على اشارة ملهاش لازمة"
"بتقول ايه الاشارة دي؟ لعله خير"
يناول (عم جمعة) (اسماعين) قطعة من الورق من جيب معطفه الاعلى "خير, قيدها بس قبل ما نوصل المنيا عشان المراقب"

ما ان انشغل (اسماعين) بالتدوين حتى انتهز (عم جمعة) الفرصة و تناول قطعة افيون صغيرة كان قد كمرها في خياطة يد المعطف قبل التحرك من القاهرة. لقى الافيون وجهته تحت لسان (عم جمعة) الذي منّى نفسه بوقت اقل شوائب من باقي الرحلة.

"ربنا يتوب علينا من الروتين" القاها (اسماعين).
"امين يا رب العالمين"

تناول (عم جمعة) رشفة اخرى فغُمر بمتعة اطلق معها آهة مستترة. "الله, في وقتها و الله يا (اسطى اسماعين), مش متخيل كنت محتاجها ازاي"
" مطرح ما يسري يمري يا سيدي" ثم تابع "معكش حاجة تشغلهالنا عالجهاز ده؟"
"فيه, استنى"
تناول (عم جمعة) الجهاز اللوحي و نقر عدة نقرات على شاشته, فعرضت فيلم ابيض و اسود لملك الترسو, فريد شوقي.
تواترت اللحظات في الكابينة مفقودة الحس. فاللقطات تتوالى في تتابع ديناميكي فقط. تلتقطها اعين (عم جمعة) بين الحين و الاخر كموضعها الاول, شريط طويل من صور منفصلة تتعاقب في غنى عن الحبكة و ما تحمله من شخصيات. بمُركّب اخر من الصوت فقد شخصيته وسط ضوضاء الجرار.

لم يشعر (عم جمعة) بمرور الوقت سوى انتباهه لمعالم قرب أسيوط, و خلاصه من همه المثقِل للرحلة. لحظ (عم جمعة) (اسماعين) في نوبة سبات عميق اخرى غير معني بمحيطه. نفرت تلك الراحة كتلة من البغض و الحقد تجاه (اسماعين).

هناك, من بعيد. صوت يحاول مستميتا ان يقشع غيوم الكابينة. اخذ يزحف بعناد بين فوضى الكابينة السمعية.
" كل ده كان ليه لما شفت عينيه
حن قلبي إليه وانشغلت عليه
كل ده كان ليه
كان ليه
قال لي كم كلمة يشبهوا النسمة في ليالي الصيف
فاتنى وف قلبي شوق بيلعب بي وف خيالي طيف
غاب عني بقى له يومين ما اعرفش وحشني ليه
إحترت أشوفه فين وان شفته حاقول له إيه
كل ده كان ليه"

لقى طيف تلك الالحان البعيدة هوى في نفس (عم جمعة). فهو يشعر بتواؤم غير مبرر مع تلك الهمهمة الغير معلومة.
انقطع اللحن البعيد برهة و عاود الزحف مجددا. هنا خُفضت ضوضاء (عم جمعة) قليلا و هو يحاول الانصات. تعجب هذه المرة من دندنته للحن و طرب نفسه به. فكانت رأسه و يديه تتمايلان مع نغمات و وقفات اللحن و كأنه يقود الفرقة.

انقطع اللحن مجددا و ما لبث ان بدأ مرة اخرى. بدا اكثر الحاحا, و ازدادت هالة شخصيته في محيط الكابينة و تأثيرها على (عم جمعة) الذي دس هذه المرة يده في جيب بنطاله و انتشل منه هاتف صغير.

" فاتنى وف قلبي شوق بيلعب بي وف خيالي طيف
غاب عني بقى له يومين ما اعرفش وحشني ليه
إحترت أشوفه فين وان شفته حاقول له إيه"

لم يكن وقع الالحان على (عم جمعة) كسابقه قبل امساكه بالهاتف. فقد برد صدره و شعر بتنميلة تحتل جبهته التي وصمتها الشمس بدُكنة ملحوظة عن باقي بقاع جسده.
على الشاشة ظهر اسم (ولاء).
مفاجئة (عم جمعة) بالمتصل اصابه بتباطؤ أنهى على اللحن.

 

بعد برهة, زأر الهاتف مجددا. تلك المرة انسلخت "العفريتة" عن جسدها و سكنت كيان (عم جمعة).
اجاب بصوت متقطع "السلام عليكم".
التقطت اذناه صريخ و عويل لمجموعة من النساء ينتحبون.
"بعت الدكان يا جمعة؟ فرطت في ملك ابوك يا اخويا؟"
كسر تلك الدفعة فاصل من البكاء و التشنّج.
"بتقولي ايه يا ولاء, مش فاهم حاجة؟"
"باعتلنا ابنك يبيع الدكان؟ قطعته عنا و لا ما جبته يزورنا لأجل الوصل و باعته ينوب عنك في تركة ابوك؟"
يحاول (عم جمعة) جاهدا استدراك الموقف.
"يا اخي مش عايز تشوفنا و مستعر مننا, براحتك. و لا احنا عايزين نشوفك. لكن تركة ابوك لأا يا (جمعة)" و بدأت (ولاء) وصلة اخرى من النحيب.

شل الصمت لسان (عم جمعة) ما دفع (ولاء) للصراخ مجددا.
"ما ترد, قول حاجة؟"
مثقلا تجاوب "مش فاهم حاجة يا (ولاء), ايه اللي حصل؟"
"ابنك نزل العدوة يسأل عالدكان و باعه لـ(خميس), و لاجاش على باله يعدي يسأل علينا و لا كأننا من بقية اهله"
(عم جمعة) بانفعال "ازاي؟ ازاي ده يحصل؟ ازاي (خميس) يعمل كدة؟"
"(خميس) خلاص رمى كراكيب الدكان و بدأ يكسر فيه"
"ده انا اللي حاكسر دماغه, انا حاهد الدنيا"

تململ (اسماعين) في نومه "في ايه يا (عم جمعة), روّق"
اغلق (عم جمعة) الهاتف في وجه (ولاء) و بعصبية طلب (خميس) على التليفون.
ما ان بدأت المكالمة و قبل اي شئ صرخ (عم جمعة):
"ايه اللي حصل ده يا (خميس) الكلب, رجّع كل حاجة زي ما كانت و الا و ايمانات المسلمين حاوريك اللي عمرك ما شوفته"
" في ايه يا (جمعة) مالك, استهدى بالله, انتا مش بِعت و انا اشتريت؟"
انفجر (عم جمعة) على غير عادته ما جعل (اسماعين) ينتفض فزعا:
"بعت؟ بعت ايه؟ هو انا بعت؟ رجع الحاجة يا (خميس)..."
"انت بَعتلي ابنك يبيع الدكان عشان مصاريف جوازه, تبقى دي جزاتي؟"
"جوا.., جواز ايه؟ و زفت ايه؟ الدكان يرجع يا (خميس)"
"هو كلام عيال و لا ايه يا (جمعة)؟ المحل خلاص, مبقاش ليك"
تراجعت حدة (عم جمعة) الى بوادر البكاء, و تفوه بصوت خفيض مرتعش "انا مبعتش, مبعتش حاجة"
"علّي صوتك مش سامع؟" يزعق (خميس).
(عم جمعة) بصوت مخلوط بالبكاء "انا مبعتش حاجة"
"الخلاصة, ابنك قبض و انا دفعت. الكلام انتهى يا (جمعة).. بيه"

لم يدرِ (عم جمعة) سوى بصحبته مراقب منطقة أسيوط بأحد محطات الشرطة.
"الباشا المأمور هنا يا دفعة؟" قال المراقب لفرد الامن.
"اه موجود"
"شكلك جديد هنا" ثم موجها حديثه لـ(عم جمعة) الشارد "متقلقش, ان شاء الله نلاقيلها حل".


Comments

Popular posts from this blog

Normal day in the life of, Maher.

  M aher works as a creative writer for a local media agency. He tries to find new ideas in whatever his eyes catch. Once after a hard-working day of dealing with a task assigned to him with no result, he grabbed his leather jacket off the seatback, slammed down the laptop screen and found his way away of the office. He gave himself up to his legs to lead him unconsciously when suddenly he realized that he is sitting on a wooden bench at the park. There, where he discovered each matter and its opposite; the calmness of grass and the noise of dogs, the broken leaves on the ground and the flying birds in the sky, his parents breaking up and his first love confession. He quietly lay his head back and closed his eyes trying to come up with a new idea. For a while he thought that he is close to something brilliant, an authentic and one-of-a-kind idea which is going to wreck the client’s mind and letting him getting a meaningful bonus. The commercia...

House of a rising Dog

  “There is a house in sin city” The landfill stands to the horizon shaped in hills while an adult crippled dog moves hardly through the valleys of trash. A background sounds of wailing dogs and others who are panting are rising in a chaotic symphony;   that is when he looked up to the sky. The departing sun was wrapping the landfill with the twilight’s cape as a sign of Set’s imminent arrival.   “They call the rising sun”   The remaining light is hurrying up on the dirt to catch the sun like a brainwashed supporter follows the hallo of his guru.   “And it's been the ruin of many a poor boy” A young pup sets at the gate of what seems like a small cave of trash biting and playing with a piece of bone.   “And God I know, I’m one” The adult dog’s face reflects brutality signs of drooling and sharp teeth before its total transformation into Set’s mold.  

بروفايل و تتابع نهاية لشخصية (زغلول الحلاق) من فيلم (زيارة السيد الرئيس)

  شخصية زغلول الحلاق من فيلم: زيارة السيد الرئيس   الخلفية الدرامية: ولد زغلول, 41 سنة, في قرية الضهرية بالبحيرة لأسرة من 9 افراد في خمسينيات القرن الماضي. كان ترتيبه الثالث بين اخوته, لكن ذلك لم يكن ضمن حسبان الاب في شئ, فما هم الا رسل يرسلهم كل صباح ليجمعوا الاموال و يوردونها حجره اخر اليوم. لم يخلو اي محل خدمة في قريتهم الا و كان لزغلول او اخوته ناقة فيه. كان نصيب زغلول فيه محل "حلاق الصحة" مما اكسبه وجاهة بين اقرانه لعدة اسباب منها اتيانه اهل القرية طوعا قاصدين التأنق للمناسبات السعيدة. و رغم قلتها بين سكان القرية الا انها اذا حلّت, تجلب معها رؤوس و جيوب عامرة بالقصص و المادة. فالبعض يقايض الاسطى صاحب المحل مقابل الحلاقة لضيق ما باليد. ينقلب زغلول في تلك الايام ثورا في ساقية المحل, يكنس, يلمع الادوات و يحضرها, يتثاقل على هذا او ذاك لاستعارة دكّة لإراحة المنتظرين و تلبية مطالبهم المتقلبة بين الشاي و الشاي الحبر. سبب اخر هو التطبيب. فقد كان المعلم صاحب المحل حكيم القرية. يقصده اهلها لإزاحة بعض تنغصاتهم الجسدية. فبنفس ادوات الحلاقة, يمارس المعلم "التطبيب القرو...