Skip to main content

تداعي

تداعي 


 في الجدب أرعى أغنامي. أراني و قد بلى نعليّ السعي، و تشرّب قميصي العرق بما فاض، فانزلق باقي المجرى يُحوّل جفاء الأرض لثرى. ثرى اُبتليّ بجبروت شمس و قهر طبيعة، فانفتق بنَبْت شيطاني، مهترئ، كأسرى الحروب و معتقلي المعسكرات. 

رغم كل هذا الجفاء الممتد بعري عاهرتي تلك، نمت أنوثتها. أنوثة مشوبة بالإشمئزاز و الإعياء. أكاد أجزم أن ريّها كان من عرقي الآسن المثير للغثيان. تلك البقعة الخضراء البالية الراقدة هناك ما هي إلا فَرْج تلك القحبة الصدئ. لا أطيق مكوثي هناك، و لا أمنع نفسي من الذهاب أيضاً. أتربّع على الأرض محاصَراً بخضارها الخانق العفن. بعض شَعر عانتها هذا يطول ليلامس كتفي. أحاول الاختلاء بها رغم ذلك. أستنشق عبقها؟ فكرة سديدة أليس كذلك؟ كلا أيها الحمقى المثيرين للشفقة و الابتذال. لا يخلج أنفي سوى روث ماشيتي المتغوطة حيث مأكلها. أزهارها الجافة المتصلّبة نتيجة انتهاك الشمس الوحشي لها أتت على جوهر أنوثتها الحي. فباتت جسداً. مادة خالية الحس و الروح. 

يتبارز الذباب و البعوض علىّ. تلك الغنيمة النفيسة الملقاة بلا صاحب. و لكن لعِظمها يتوصلون بعد مشاورات لتقاسمها بينهم. فلا داعي للتقاتل. فهي تسع الكل و تفيض. فيغدون في نوبات تسلّم بعضها بعضاً بدون كلل أو ملل. 

أستشيط حد الكفر، فأستغفر السميع البصير، الغفور الرحيم، العليم الحكيم، ذو المنة و الفضل. و أستعيذه من كفر نَطَقْت به و فقر حلّ بي، من عجز أَلَمّ بي و قهر خنعت له مروءة الرجال. لكني لا أتلمّس استجابة، أو إشارة بالإستماع حتى. تنوء نفسي بالنغص. فأهرع للمصلى. حتى الصلاة تأبى السلاسة معي. فأنا في حاجة لماء طهور يُنقّيني من خطاياي قبل ملاقاة كاتب أقداري و مدبر شئوني. البئر جفّت و لم يبقى سوى قعر قربتي المختزَلة. قطرات تعلّقني بدار الفناء تلك بضع ساعات. ربما بحلول عصر الغد أكون خارّ القوى في العراء بلا قدرة حتى للتقلب على رمال تلك الصحراء، فأوزع لهيب حرارتها على جسدي الملقى. الجوارح سَتَسْلَطْني بألسنتها حينها كوجبة سيئة الشواء و الطعم. 

أشرد بغير هدى. أُسهب بصري في الرمال حولي بوجدان مصدّع. قرصني الذُل فثنَيت ركبتيّ، و بتردد، ضربت الأرض بكفي ثلاثاً. فها أنا أسلك الفرع حتى في تضرّعي. مُهمّش حتى في طقوس عبادتي. عَزّت عليّ نفسي و أنا أمسح بكفيّ المتربين وجهي المشقق الجاف. لم أشعر بملمس التراب الناعم عليه. فحيث يقبع، هناك طبقة سميكة من الدّنس تحُول بين محيطي الخارجي و الداخلي. طبقة جِلد إضافية لا أعلم ما تحميه. 

بينما أستقيم سمعت شرخ كياني ينمو. فارتجفت مفاصلي معبّرة عن ذلك. أدركت ملء إنائي. آواني ذلك عن اتجاه القبلة فأعرضت عن الشمس، و ولّيتها ظهري اتقاءاً لقيظها. فأنّى لي بحمل على مواجهتها.  رفعت يدايّ مكبّراً بصوت جاف، هامس، خرج محشرجاً يشق الحلق.

رأيتني أردد نصوصاً بلا تدبّر و أقوم و أقعد بلا خشوع. صلاة ديناميكية بامتياز. حتى تلك، فقدَت جوهرها. فكيف لفاقد الشئ أن يعطيه؟!

قطعت صلاتي مُستعراً و قد قُطّب جبيني، و اتقّدت عينايّ، و اتخذ رشدي من الفسيح المترامي محيطاً يذوب فيه. 

أفقت جاثياً على ركبتيّ، ممزق السجيّة، سامعاً الصدى مردِداً في حنق أخذ يذبل: يا رب.


Comments

Popular posts from this blog

Normal day in the life of, Maher.

  M aher works as a creative writer for a local media agency. He tries to find new ideas in whatever his eyes catch. Once after a hard-working day of dealing with a task assigned to him with no result, he grabbed his leather jacket off the seatback, slammed down the laptop screen and found his way away of the office. He gave himself up to his legs to lead him unconsciously when suddenly he realized that he is sitting on a wooden bench at the park. There, where he discovered each matter and its opposite; the calmness of grass and the noise of dogs, the broken leaves on the ground and the flying birds in the sky, his parents breaking up and his first love confession. He quietly lay his head back and closed his eyes trying to come up with a new idea. For a while he thought that he is close to something brilliant, an authentic and one-of-a-kind idea which is going to wreck the client’s mind and letting him getting a meaningful bonus. The commercia...

House of a rising Dog

  “There is a house in sin city” The landfill stands to the horizon shaped in hills while an adult crippled dog moves hardly through the valleys of trash. A background sounds of wailing dogs and others who are panting are rising in a chaotic symphony;   that is when he looked up to the sky. The departing sun was wrapping the landfill with the twilight’s cape as a sign of Set’s imminent arrival.   “They call the rising sun”   The remaining light is hurrying up on the dirt to catch the sun like a brainwashed supporter follows the hallo of his guru.   “And it's been the ruin of many a poor boy” A young pup sets at the gate of what seems like a small cave of trash biting and playing with a piece of bone.   “And God I know, I’m one” The adult dog’s face reflects brutality signs of drooling and sharp teeth before its total transformation into Set’s mold.  

بروفايل و تتابع نهاية لشخصية (زغلول الحلاق) من فيلم (زيارة السيد الرئيس)

  شخصية زغلول الحلاق من فيلم: زيارة السيد الرئيس   الخلفية الدرامية: ولد زغلول, 41 سنة, في قرية الضهرية بالبحيرة لأسرة من 9 افراد في خمسينيات القرن الماضي. كان ترتيبه الثالث بين اخوته, لكن ذلك لم يكن ضمن حسبان الاب في شئ, فما هم الا رسل يرسلهم كل صباح ليجمعوا الاموال و يوردونها حجره اخر اليوم. لم يخلو اي محل خدمة في قريتهم الا و كان لزغلول او اخوته ناقة فيه. كان نصيب زغلول فيه محل "حلاق الصحة" مما اكسبه وجاهة بين اقرانه لعدة اسباب منها اتيانه اهل القرية طوعا قاصدين التأنق للمناسبات السعيدة. و رغم قلتها بين سكان القرية الا انها اذا حلّت, تجلب معها رؤوس و جيوب عامرة بالقصص و المادة. فالبعض يقايض الاسطى صاحب المحل مقابل الحلاقة لضيق ما باليد. ينقلب زغلول في تلك الايام ثورا في ساقية المحل, يكنس, يلمع الادوات و يحضرها, يتثاقل على هذا او ذاك لاستعارة دكّة لإراحة المنتظرين و تلبية مطالبهم المتقلبة بين الشاي و الشاي الحبر. سبب اخر هو التطبيب. فقد كان المعلم صاحب المحل حكيم القرية. يقصده اهلها لإزاحة بعض تنغصاتهم الجسدية. فبنفس ادوات الحلاقة, يمارس المعلم "التطبيب القرو...