تداعي
في الجدب أرعى أغنامي. أراني و قد بلى نعليّ السعي، و تشرّب قميصي العرق بما فاض، فانزلق باقي المجرى يُحوّل جفاء الأرض لثرى. ثرى اُبتليّ بجبروت شمس و قهر طبيعة، فانفتق بنَبْت شيطاني، مهترئ، كأسرى الحروب و معتقلي المعسكرات.
رغم كل هذا الجفاء الممتد بعري عاهرتي تلك، نمت أنوثتها. أنوثة مشوبة بالإشمئزاز و الإعياء. أكاد أجزم أن ريّها كان من عرقي الآسن المثير للغثيان. تلك البقعة الخضراء البالية الراقدة هناك ما هي إلا فَرْج تلك القحبة الصدئ. لا أطيق مكوثي هناك، و لا أمنع نفسي من الذهاب أيضاً. أتربّع على الأرض محاصَراً بخضارها الخانق العفن. بعض شَعر عانتها هذا يطول ليلامس كتفي. أحاول الاختلاء بها رغم ذلك. أستنشق عبقها؟ فكرة سديدة أليس كذلك؟ كلا أيها الحمقى المثيرين للشفقة و الابتذال. لا يخلج أنفي سوى روث ماشيتي المتغوطة حيث مأكلها. أزهارها الجافة المتصلّبة نتيجة انتهاك الشمس الوحشي لها أتت على جوهر أنوثتها الحي. فباتت جسداً. مادة خالية الحس و الروح.
يتبارز الذباب و البعوض علىّ. تلك الغنيمة النفيسة الملقاة بلا صاحب. و لكن لعِظمها يتوصلون بعد مشاورات لتقاسمها بينهم. فلا داعي للتقاتل. فهي تسع الكل و تفيض. فيغدون في نوبات تسلّم بعضها بعضاً بدون كلل أو ملل.
أستشيط حد الكفر، فأستغفر السميع البصير، الغفور الرحيم، العليم الحكيم، ذو المنة و الفضل. و أستعيذه من كفر نَطَقْت به و فقر حلّ بي، من عجز أَلَمّ بي و قهر خنعت له مروءة الرجال. لكني لا أتلمّس استجابة، أو إشارة بالإستماع حتى. تنوء نفسي بالنغص. فأهرع للمصلى. حتى الصلاة تأبى السلاسة معي. فأنا في حاجة لماء طهور يُنقّيني من خطاياي قبل ملاقاة كاتب أقداري و مدبر شئوني. البئر جفّت و لم يبقى سوى قعر قربتي المختزَلة. قطرات تعلّقني بدار الفناء تلك بضع ساعات. ربما بحلول عصر الغد أكون خارّ القوى في العراء بلا قدرة حتى للتقلب على رمال تلك الصحراء، فأوزع لهيب حرارتها على جسدي الملقى. الجوارح سَتَسْلَطْني بألسنتها حينها كوجبة سيئة الشواء و الطعم.
أشرد بغير هدى. أُسهب بصري في الرمال حولي بوجدان مصدّع. قرصني الذُل فثنَيت ركبتيّ، و بتردد، ضربت الأرض بكفي ثلاثاً. فها أنا أسلك الفرع حتى في تضرّعي. مُهمّش حتى في طقوس عبادتي. عَزّت عليّ نفسي و أنا أمسح بكفيّ المتربين وجهي المشقق الجاف. لم أشعر بملمس التراب الناعم عليه. فحيث يقبع، هناك طبقة سميكة من الدّنس تحُول بين محيطي الخارجي و الداخلي. طبقة جِلد إضافية لا أعلم ما تحميه.
بينما أستقيم سمعت شرخ كياني ينمو. فارتجفت مفاصلي معبّرة عن ذلك. أدركت ملء إنائي. آواني ذلك عن اتجاه القبلة فأعرضت عن الشمس، و ولّيتها ظهري اتقاءاً لقيظها. فأنّى لي بحمل على مواجهتها. رفعت يدايّ مكبّراً بصوت جاف، هامس، خرج محشرجاً يشق الحلق.
رأيتني أردد نصوصاً بلا تدبّر و أقوم و أقعد بلا خشوع. صلاة ديناميكية بامتياز. حتى تلك، فقدَت جوهرها. فكيف لفاقد الشئ أن يعطيه؟!
قطعت صلاتي مُستعراً و قد قُطّب جبيني، و اتقّدت عينايّ، و اتخذ رشدي من الفسيح المترامي محيطاً يذوب فيه.
أفقت جاثياً على ركبتيّ، ممزق السجيّة، سامعاً الصدى مردِداً في حنق أخذ يذبل: يا رب.
Comments
Post a Comment